أبي منصور الماتريدي

54

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

10 ] ومعلوم أنه لم يرد به زكاة المال ، ولكن زكاة النفس بالتوحيد والتقوى ، وكذلك قوله : وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ [ النور : 7 ] هو تلك الزكاة لا الزكاة المعروفة زكاة المال ؛ فعلى « 1 » ذلك الأول ، والله أعلم . وإن كان على الزكاة المعروفة فذلك في قوم ثقل عليهم واشتد إخراج الزكاة من أموالهم ؛ كقوله : الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ . . . [ فصلت : 7 ] كذا . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ . قد ذكرنا في غير موضع أن من آمن بآيات الله وصدقها فقد آمن بالله وبرسله ، ومن كذب بآياته كذب بالله وخالف رسله ؛ لأن طريق معرفة الله ورسله إنما هو من طريق الآيات والحجج ، ليس من طريق المشاهدات والمحسوسات ؛ لذلك كان الإيمان بالآيات إيمانا بالله وبرسله ، والتكذيب « 2 » بها كفر بالله ورسله . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ . أي : يقفون « 3 » أثر الرسول في كل سيرته ، وفي كل أمره ونهيه ، ويطيعونه ؛ سماه رسولا ونبيّا بقوله : الرَّسُولَ النَّبِيَّ والرسول : المبعوث على تبليغ الرسالة والمأمور بها على كل حال ، والنبي : المنبئ لهم أشياء عند السؤال والاستخبار ، والرسول هو المأمور بالتبليغ سألوه أو لم يسألوا شاءوا أو أبوا « 4 » ، وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم كلاهما : الإنباء والتبليغ ؛ كقوله : ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 68 ] ، وقوله : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ الشورى : 48 ] . وقوله - عزّ وجل - : الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً . الأمي : ما ذكر في آية أخرى ، وهو قوله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ . . . الآية [ العنكبوت : 48 ] .

--> ( 1 ) في ب : وعلى . ( 2 ) في ب : وبالتكذيب . ( 3 ) أي يتبعونه ، وأصله من القفا ؛ لأن المتبع للشخص غالبا يصير خلفه وتابعا لقفاه ، يقال : قفوته واقتفيته ، وقفيته ، أقفوه : إذا تتبعته وتبعت أثره . ف « قفيته » مقلوب من « قفوته » ، وبه سميت القافة ؛ لتتبعها الآثار والأشباه . ينظر : عمدة الحفاظ ( 3 / 386 ) . ( 4 ) الإباء : شدة الامتناع ، فهو أخص من مطلق الإباء ؛ إذ كل إباء امتناع من غير عكس . وبعضهم يقول : الامتناع ، ومراده ذلك ؛ لكونه في قوة النفي ساغ وقوع الاستثناء المفرغ بعده . ينظر : عمدة الحفاظ ( 1 / 56 ) .